أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

119

التوحيد

ثم إن كان من طبع السفلي التسفل والعلوي العلوّ ، وذلك معنى التنافر ، وإليه مرجع العاقبة ، فكيف صار السفلي يذهب صعدا ، وذلك طبع العالي الصافي ، وهو معنى الخير ، فقد صار من السفلي الأمران جميعا ، فبطل المعنى الذي له لزم القول باثنين . ثم من العلوي النّفار إلى العلوي ، ولم يقم بوفاء ذلك ولا امتنع به عما كان بجوهر ينحدر حتى ارتفع عليه ، وخلق العالم بحبسه ، فكيف يطمعون أن ينخلص من يدي الهمامة ، وهي مع ذلك حساسة فعّالة بالحيل أوثقته وقيدته وحبسته ، وليست له قوة يتخلص بها ، وبطبعه لم يمتنع عند التخلية ، فكيف يتخلص بعد الوثاق إلا أن يقول ؛ تخلى الهمامة سبيله ، فيجعلها فاعلة الخير . وبعد ، فإن جوهر الظلمة إن كان هو رأى النور وهو الذي أيس النور ليحبسه فهو الموصوف بالعلم والرؤية لا الذي لم يره ليتحصن منه ولم يعلم ما به يتخلص من قهره ، فإذا العلم والرؤية والمقدرة والغنى والشرف كله في جوهر الظلمة ، والقهر والجهل والعجز والذل والهوان في جوهر النور ، فإن كان ذا كله خيرا والأول كله شرا فما أبصركم بالخير والشر . وكذلك عندكم إن النور فعله طباع والهمامة فعلها اختيار ، والعالم أنشأه الهمامة ، بطل القول باثنين ، بل العالم كله فعل الواحد ، لكنه مزج أجزاءه بأجزاء الآخر ، ولو كان الآخر بما يفعل به وفيه يصير آخر لتحصيل القول بالاثنين لكان كل ذي طبع هو من به وفيه العالم ، فيصير القول بما لا يحصى عدده . ثم إذ كانت الظلمة هي التي بغت على النور ثم تخلص منها ، فإما أن يكون التخلص منه بالجوهر ، وذلك محال ؛ لأنه لم يمتنع منها به ، مع ما يوجب تخلص أجزائه من حبس الهمامة وليس فيما علاه موضع يسير إليه ما انتزع منها ؛ إذ غير هذا الجانب غير متناه ، وهو بالتخليص يرجع إلى ما لا نهاية ، فلا يجد لنفسه موضع قرار ، فلا معنى للتخلّص إلا أن يكون الظلمة تدفعه عن نفسها ، فيكون دفعه خيرا إذ كان حبسه شرا . مع ما إذا دفع أجزاءه ، وما علا ليس إلا أجزاؤه ، فهو يدخل بعضه ، ولذلك نهاية ، لكنه كان يحبسه في جوهره ثم قهر كلية النور فجعله سجنا لنفسه يحبس فيه عدوّه ، فيصير عدوه بجوهره حبيسا لنفسه . وبعد ، فإن الظلمة ليس لها في غير وجه الامتزاج حد ، فهو إلى ما ذا يصير بالتخلّص ، فهو يبيّن أن لا معنى للتخلّص ، ولا قوة إلّا باللّه . قال الشيخ رحمه اللّه : ثم العجب من قولهم : إن الخير كله في العالم من جوهر النور ، فمن أين يكون منه الخير وهو المقهور المحبوس ؟ والفعل كله من الآخر ليحبسه به ، فليس من النور غير البقاء في سجن الآخر ووثاقه ، فمن يجني منه خير ؟ ، إلا أن يرى ذلك من سائر الأجزاء التي لم تبغ عليه فيلقى أجزاءه في حبس آخر ،